أحمد بن محمود السيواسي
77
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الحافد والأسباط حفدة يعقوب ، وهم ذراري أبناء يعقوب فإنه كان له اثنا عشر ابنا ، فولد كل واحد منهم جماعة فصار أولاد كل واحد منهم سبطا ، وكان فيهم أنبياء أنزل إليهم كتب وهم يعملون بها « 1 » ، فنسب الإنزال إليهم لذلك كما نسب إلى أمة محمد في قوله « وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا » ( وَما أُوتِيَ ) أي وبما أعطي ( مُوسى وَعِيسى ) يعني بالتورية والإنجيل ( وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ) أي من الآيات والكتب ، يعني آمنا بجميع الأنبياء وبجميع كتبهم ( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى ، لأن تصديق الكل واجب على المؤمن بنبي ( وَنَحْنُ لَهُ ) أي للّه ( مُسْلِمُونَ ) [ 136 ] أي مخلصون بالتوحيد ، والأحد بمعنى الجماعة هنا ، لأنه في سياق النفي يعم القليل والكثير ، ولذلك صح دخول « بين » عليه ، أي لا نفرق بين آحاد الجماعة ، ولو قال لا نفرق بينهم لاستقام المعنى ، لكنه أراد أن يحقق المعنى بوجه أبلغ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 137 ] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 ) ثم قال تعالى للمؤمنين بمحمد والقرآن مخبرا عن حال الخصم لتبكيتهم بقوله ( فَإِنْ آمَنُوا ) أي اليهود والنصارى ( بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ ) أي بالذي صدقتم وشهدتم به بزيادة « مثل » أو الباء زائدة و « مثل » صفة موصوف محذوف ، أي إيمانا مثل إيمانكم وشهادة مثل شهادتكم ( فَقَدِ اهْتَدَوْا ) وخلصوا من الضلالة ( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي أعرضوا عن الإيمان بمحمد والقرآن وجميع الأنبياء ( فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ) أي في خلاف في الدين ومعاندة لأهل الحق وليسوا في شيء من طلب الحق ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ ) أي يكفيك ويدفع عنك يا محمد ( اللَّهُ ) شر اليهود والنصارى وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم وبإجلاء النضير وضرب الجزية على الفريقين ، والسين فيه لتحقيق كون ذلك البتة وإن تأخر إلى حين ، لأنها تفيد الوعد من اللّه ووعده واقع لا محالة ، وبينه بقوله ( وَهُوَ السَّمِيعُ ) لكلامهم ودعائك ( الْعَلِيمُ ) [ 137 ] بأحوالهم ومرادك ، فيجازي كلا ما يشاء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 138 ] صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ( 138 ) قوله ( صِبْغَةَ اللَّهِ ) فيه تفصيل دين محمد عليه السّلام على سائر الأديان وهي مصدر مؤكد لقوله « آمَنَّا بِاللَّهِ » ، فعلة من صبغ كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، والمعنى تطهير اللّه ، لأن الإيمان يطهر النفوس فيكون تأكيدا لنفسه ، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر اسمه عندهم المعمودية في اليوم السابع كالختان لأولاد المسلمين ويقولون الآن وقد « 2 » طهر هذا وصار نصرانيا حقا ، فأمر اللّه المسلمين بأن يقولوا لهم « قُولُوا آمَنَّا » ، وصبغنا اللّه بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا التي كانت قبل ، أي طهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا ، وهذا على تقدير أن يكون الخطاب بقوله « قُولُوا » للكافرين ، وأما إذا كان الخطاب به للمؤمنين كان صبغة اللّه من مقولاتهم يعني صبغنا اللّه بالإيمان ولم يصبغ « 3 » صبغتكم ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ) أي دينا ، نصب على التمييز ، يعني أي شخص يكون صبغته أحسن من صبغة اللّه ، فإنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم من أنجاس الكفر والشرك ، فلا صبغة أحسن من صبغته ، وهذا من باب المشاكلة ، قوله ( وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ) [ 138 ] أي موحدون بالإخلاص عطف على قوله « آمَنَّا بِاللَّهِ » فيكون من متعلقات « قُولُوا » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 139 ] قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( 139 ) قوله ( قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا ) نزل في اليهود الذين يظاهرون المشركين « 4 » ، أي قل يا محمد يا أهل الكتاب أتخاصموننا ( فِي اللَّهِ ) أي في شأن اللّه واصطفائه النبي من العرب وتقولون لم خص بالنبوة محمدا من العرب ونحن أحق بها منه ( وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ ) أي اللّه إلهنا وإلهكم نشترك جميعا في كوننا عباده واصطفائه أحدا للنبوة لا حكم لنا
--> ( 1 ) اختصره من البغوي ، 1 / 163 ؛ والكشاف ، 961 . ( 2 ) وقد ، م : - س . ( 3 ) يصبغ ، ب س : نصبغ ، م . ( 4 ) عن الزجاج ، انظر السمرقندي ، 1 / 163 .